عبد الوهاب الشعراني

47

تنبيه المغترين

كثرة الحزن ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الحزن والهم كلما تذكروا الموت وسكراته خوف سوء الخاتمة حتى تزلزل عقولهم من شدة الألم ، وقد كان كعب الأحبار يقول : لما أتى البشير إلى يعقوب عليه السلام قال يعقوب : ما عندي شيء أكافئك به ولكن هون اللّه عليك سكرات الموت . ( قلت ) : وقد تقدم عن بعضهم أنه كان يقول لعلي أكره تخفيف طلوع روحي وإنما أحب التشديد لأنه آخر عمل يثاب عليه المؤمن فما هنا في حق من يخاف عليه السخط إذا شدد اللّه عليه واللّه أعلم ، وكان يقول : مثل الموت كشجرة الشوك أدخلت في جوف ابن آدم فأخذت كل شوكة بعرق ثم اجتذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى ، وكان سلمان الفارسي يقول : إذا رشح جبين المؤمن عند الموت وذرفت عيناه وانتشر منخراه فهو في رحمة اللّه قد نزل ، وإذا غط غطيط المخنوق وخمد لونه وأزبدت شفتاه فهو في عذاب قد نزل ، وكان حسن البصري إذا حضر قبض روح أحد من إخوانه يمكث أياما لا يذوق طعاما ولا شرابا إنما هو البكاء والنحيب ، وكان يقول : ثلاثة لا ينبغي للمؤمن أن ينساهن الدنيا وتصرم أحوالها والموت . وكان سفيان الثوري إذا ذكروا بين يديه الموت لا ينتفع به أحد أياما ، وإذا سأله أحد عن شيء يقول لا أدري ، وكان شقيق الزاهد يقول : قد خالف الناس في السنة أمورا قالوا إن اللّه تعالى تكفل بأرزاقنا ثم لم تطمئن قلوبهم إلا بشيء يجمعونه عندهم ، وقالوا إن الآخرة خير من الأولى وتراهم يجمعون المال ولا ينفقونه فكأنهم لم يدخلوا الدنيا إلا ليحملوا الذنوب ، وقالوا لابد لنا من الموت وهم يعلمون أعمال من ليس على باله موت ، ولما حضرت الوفاة عطاء السلمي نظر إلى أصحابه وهم يدعون له بالتهوين فقال كفوا عن الدعاء فو اللّه إني أود أن روحي تتردد بين لهاتي وحنجرتي إلى يوم القيامة خوفا مما أهجم عليه بعد الموت ، وكان يقول : من أراد أن ينظر إلى الأرض بعد أهلها فلينظر إلى منازل الحجاج حين يرتحلون عنها وأنشد أبو العتاهية : نفنى وتبقى الأرض بعد كمثل ما * يبقى المناخ وترحل الركبان وكان الحسن بن عمران يقول الموت أشد من نشر المناشير ومن طبخ القدور ولو أن ألم شعرة واحدة من الميت وضع على أهل الدنيا لوجدوا من ذلك ألما يشغلهم عن الأكل